عبد الملك الجويني
103
الشامل في أصول الدين
فصل في الرد على الثنوية القائلين بقدم النور والظلمة اعلموا وفقكم اللّه أن من أصل هؤلاء القول بقدم النور ، وهو أجسام متصعدة ، لا نهاية لها من جهة العلوّ . وإنما تتناهى من جهة السفل . وكذلك الظلمة أجسام متسفلة بطبعها ، لا نهاية لها من جهة السفل ، وينتهي حدها في جهة العلو . وكل ما قدمناه في حدث الأجسام يدل على الرد عليهم . وكل ما رددناه على الطبائعيين ، حيث قررنا أن ما امتزج بعد أن لم يكن ممتزجا ، دل تعاقب النقيضين على حدثه . وما قررنا من افتقار الامتزاج إلى مقتض مع تقسيم القول فيه ، يتردد على الثنوية حرفا حرفا ، ثم نقول لهم : إذا زعمتم أن النور لم يزل متصعدا ، والظلام لم يزل متسفلا ، فالجو الذي بين حديهما لا يخلو إما أن يكون في حكم المتناهي ، وباطل أن يكون في حكم المتناهي ، فإنهما ما زالا يتباعدان ويزدادان تباينا إلى غير أول ، وهذا ينفي النهاية قطعا . وإن زعموا أن ما بينهما في حكم لا يتناهى ، فكيف يتصور امتزاجهما وقطعهما ما هو في حكم ما لا يتناهى ؟ وإن زعموا أن النور في مركز لا يزداد ارتفاعا منه ، والظلام في مركز لا يتسفل ، كان ذلك باطلا . فإنهم إذا حكموا بأن النور يتصعد بطبعه ، فليس تصعده في جو أولى منه في آخر . وكذلك القول في تسفل الظلام ، فالمصير إلى الوقوف إبطال القول بالتصعد والتسفل ، وسنوضح ذلك على الطبائعيين وأصحاب المراكز . وأما المرقيونية : القائلون بإثبات المعدل ، فوجه الرد عليهم في إثبات حدث الأجسام كما سبق . ونخصهم بكلام فنقول : هذا المعدل لا يخلو إما أن يكون موافقا للنور ، أو يكون موافقا للظلمة ، أو يكون مخالفا لهما . فإن كان موافقا للنور فهو من النور ، ومن حكمه منافرة الظلام . وإن كان مماثلا للظلام فهو منه ، ومن طبعه منافرة النور . وإن كان منافرا لهما ، فلا بد من تقدير معدل بينه وبينهما ، كما لا بد من تقدير معدل بين النور والظلام ، ويتسلسل القول إلى ما لا نهاية له . والرد على الديصانية « 1 » : كالرد على سائر الثنوية ، ويخصصون بقلب مذهبهم عليهم . فنقدر النور جمادا ، والظلام مختارا ، فلا يجدون بين ذلك ومذهبهم فصلا . واعلموا أن جلّ الكلام في الخير والشر من مذاهب الثنوية يتعلق بالتعديل والتجويز على ما سيأتي إن شاء اللّه .
--> ( 1 ) انظر الملل والنحل للشهرستاني ص 202 - 203 .